الطائرات المسيّرة الرخيصة تغيّر معادلات الحرب العالمية وتعيد رسم موازين القوة
كشفت تقارير عسكرية حديثة أن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة باتت عاملاً حاسماً في تغيير طبيعة الحروب الحديثة، بعدما تحولت إلى أداة قادرة على إضعاف الجيوش الكبرى وإحداث تأثيرات عسكرية واسعة بتكاليف محدودة.
وأشارت التقارير إلى أن الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة الرخيصة الإنتاج غيّر بشكل جذري شكل الصراعات المسلحة، حيث لم يعد التفوق التقليدي في عدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية كافياً لضمان النصر في ساحات القتال.
وأظهرت التجارب العسكرية خلال السنوات الأخيرة أن هذه التكنولوجيا أصبحت قادرة على منح قوى صغيرة أو جماعات مسلحة قدرة على إلحاق خسائر كبيرة بجيوش متقدمة.
وفي الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لعبت الطائرات المسيّرة دوراً محورياً في إبطاء تقدم القوات الروسية، حيث اعتمدت كييف على هذا السلاح بكثافة لتعويض الفارق الكبير في القوى البشرية والعتاد العسكري.
كما استخدمت جماعة أنصار الله الطائرات المسيّرة في عمليات استهدفت السفن التجارية والبنية التحتية، ما أدى إلى تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر لفترات طويلة.
وفي سياق المواجهة مع إيران، برزت الطائرات المسيّرة كأحد أبرز أدوات الرد العسكري منخفض التكلفة، حيث استخدمت طهران نماذج من طائرات “شاهد” التي تقدر تكلفة الواحدة منها بما يتراوح بين عشرين ألفاً وخمسين ألف دولار فقط.
لكن رغم هذا السعر المنخفض نسبياً، أجبرت هذه الطائرات الولايات المتحدة وحلفاءها على استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن قد تصل تكلفة الواحد منها إلى ملايين الدولارات.
وخلال الأسبوع الأول من الحرب، أطلقت إيران نحو ألفي طائرة مسيّرة استهدفت قواعد أميركية ومواقع حليفة في اثنتي عشرة دولة، وفق تقديرات عسكرية.
وأصابت بعض هذه الطائرات منشآت مدنية وبنى تحتية في الخليج، من بينها مطارات وفنادق ومنشآت نفطية.
وفي الأول من مارس، قُتل ستة جنود أميركيين بعد أن تمكنت طائرة مسيّرة إيرانية من اختراق الدفاعات الجوية وضرب مركز عمليات عسكري في الكويت.
ونقلت تقارير إعلامية عن مصادر عسكرية قولها إن القوات الموجودة في الموقع لم تكن تمتلك في ذلك الوقت قدرة كافية على مواجهة هذا النوع من الهجمات.
ولم تظهر الطائرات المسيّرة الإيرانية لأول مرة في هذه الحرب، بل جرى اختبارها في صراعات سابقة، خصوصاً في الحرب الروسية الأوكرانية.
فقد استوردت موسكو آلاف الطائرات المسيّرة من طراز “شاهد” من إيران، ثم أنشأت مصنعاً لإنتاج نسخ محلية منها بكميات كبيرة، ما جعل هذه الطائرات تشكل تهديداً متكرراً للمدن الأوكرانية.
كما طوّر الحوثيون في اليمن نسختهم الخاصة من هذه التكنولوجيا، واستخدموها في هجمات استهدفت السفن التجارية والممرات البحرية في البحر الأحمر.
وفي المقابل، عملت الولايات المتحدة على تطوير نسختها الخاصة من الطائرات المسيّرة بعد تحليل النماذج الإيرانية.
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر إن الخبراء العسكريين الأميركيين قاموا بتحليل هذه الطائرات وإعادة هندستها لإنتاج نماذج محلية.
وأوضح أن هذه الطائرات أصبحت أداة لا غنى عنها في العمليات العسكرية الحديثة.
وفي موازاة ذلك، تحولت أوكرانيا خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز المراكز العالمية في تطوير تقنيات مواجهة الطائرات المسيّرة.
وكشفت تقارير أن مسؤولين أوكرانيين عرضوا على الولايات المتحدة تقنياتهم المضادة للطائرات المسيّرة قبل أشهر من اندلاع الحرب مع إيران، إلا أن واشنطن لم تعتمد تلك التكنولوجيا في البداية.
لكن بعد اندلاع الحرب، سارعت الولايات المتحدة إلى الاستفادة من هذه الخبرات، حيث انتشر خبراء أوكرانيون في منطقة الخليج لتدريب القوات الأميركية وقوات التحالف على أساليب مواجهة الطائرات المسيّرة.
كما أرسلت الولايات المتحدة آلاف الطائرات الاعتراضية إلى الشرق الأوسط لتعزيز قدرات الدفاع الجوي في مواجهة الهجمات المتزايدة.
وتعتمد بعض هذه الأنظمة الجديدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتبلغ تكلفة الوحدة الواحدة منها نحو أربعة عشر ألف دولار، ما يجعلها أرخص من الطائرات المسيّرة التي صُممت لاعتراضها.
وبحسب تقديرات وزارة الدفاع الأميركية، أدت هذه الإجراءات إلى خفض الهجمات بالطائرات المسيّرة الإيرانية بنسبة تصل إلى خمسة وتسعين في المئة مقارنة بمستوياتها السابقة.
ويرى خبراء عسكريون أن الطائرات المسيّرة الرخيصة ليست سوى بداية مرحلة جديدة في طبيعة الحروب، حيث تتجه الجيوش إلى استخدام أنظمة غير مأهولة تشمل طائرات بحرية وروبوتات أرضية قادرة على تنفيذ عمليات قتالية دون تدخل بشري مباشر.
ويحذر بعض المتخصصين في التكنولوجيا العسكرية من أن التطور السريع لهذه الأنظمة قد يؤدي إلى مرحلة تصبح فيها الأنظمة المستقلة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في ساحات القتال.
وتشير هذه التحولات إلى أن الحروب المستقبلية قد تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا منخفضة التكلفة والأنظمة غير المأهولة، ما يفتح الباب أمام تغييرات عميقة في ميزان القوى العسكري على مستوى العالم.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74377



