لأول مرة.. تحويل الضوء إلى مادة صلبة فائقة

نجح فريق بحثي من معهد تكنولوجيا النانو في مدينة Lecce الإيطالية في تحويل الضوء إلى مادة صلبة فائقة. لاقت نلك الخطوة ترحيبًا أكاديميًا حول العالم؛ فقد تكون بادرة للكثير من التطبيقات التكنولوجية فى المستقبل.
وفي هذا السياق يبقي السؤال المطروح: كيف تمكن العلماء من تحويل الضوء الذي نراه الى مادة صلبة فضلًا عن مادة صلبة فائقة؟
يعد الضوء المرئي، وهو المدي من الترددات التي يمكن للعين رصدها والتأثر بها، جزءًا صغيرًا من الطيف الكهرومغناطيسي. والذي يمتد ما بين أشعة الراديو؛ حيث الترددات المنخفضة. إلى الأشعة الكونية ذات الترددات الفائقة. وتشترك كل ترددات الطيف الكهرومغناطيسي في السرعة، والانتشار، والحيود، وغيرها.
وفي الوقت ذاته لا تختلف تلك المناطق الا في الطول الموجي والتردد وتبعًا لذلك الطاقة التي تحملها الموجات. ويمكن تعريف الضوء بأنه صورة صافية من الطاقة تنتشر بأقصى سرعة معروفة في الكون.
الطبيعة المزدوجة للضوء
على الرغم من أن الضوء هو موجات تنعكس وتنكسر وتحيد، كالموجات المعروفة في الفيزياء الكلاسيكية. على سبيل المثال: الموجات الصوتية. إلا أن لديه خواص لا يمكن تفسيرها إلا إذا افترضنا أن الضوء يتصرف كمادة عادية، مثل الإلكترونات والذرات أحيانًا. واكتشفت تلك الخواص وفسرتها ميكانيكا الكم. وهي فرع مهم من فروع الفيزياء المنوط بها تفسير وفهم خواص هذا العالم على مستوى الذرات وما دونها.
نشأت نظرية الطبيعة المزدوجة للضوء من خلال تفسير بعض التجارب التي يسلك الضوء بها سلوك الجسيمات. على سبيل المثال: التجربة التي منح على إثرها “أينشتاين” جائزة نوبل وهي “تجربة التأثير الكهروضوئي”. ففي هذه التجربة تبين أن الضوء يتصرف وكأنه يتكون من جسيمات صغيرة أطلق عليها فيما بعد “فوتونات”؛ حيث تتصادم الفوتونات مع المادة كما لو كانت كرات صغيرة من المادة.
وهذه الفكرة أصبحت حجر الزاوية لفهم العديد من الظواهر في فيزياء الكم، وفتحت الطريق لفهم سلوك الجسيمات الدقيقة في العالم الذري.
حالات المادة
المادة المنظورة في هذا الكون تتكون من الذرات ويمكن أن تتشكل في أربع حالات رئيسة هي: الحالة الصلبة، والسائلة ، والغازية والبلازما.
فيما تتميز الحالة الصلبة بتراص الذرات المكونة للمادة في ترتيب يسمي الشكل البلوري للمادة. وعادة ما تكون حركة الذرات وتتطلب مقدارًا من الطاقة حتى تنزلق الذرات فوق بعضها البعض لتتحرك كما هو الحال في الحديد أو النحاس أو غيرها.
بينما تتميز الحالة السائلة بأن المسافات البينية بين الذرات تكون متسعة؛ ما يسهل الحركة والانسياب. وتأخذ المواد السائلة شكل الحاويات وتعتمد في حركتها على اللزوجة والقوة المؤثرة عليها.
وفي الحالة الغازية تنتشر الذرات في الأرجاء حرة طليقة. زالبلازما هي الحالة الغازية المتأينة من المادة. حيث يمكن تحويل أي مادة الى بلازما في درجات الحرارة العالية.
المواد الصلبة الفائقة
يمكن في حالات خاصة، مثل درجة الحرارة تقترب من الصفر المطلق، أن توجد المواد في حالات تختلف عن الأربع حالات السابقة.
على سبيل المثال: يمكن أن تصبح المادة في الحالة الصلبة الفائقة. في هذه الحالة تمتلك بنية بلورية تشبه المادة الصلبة العادية، ولكنها، على عكس المتوقع، تتدفق بحرية كالسائل.
وتمتلك المواد الصلبة الفائقة خصائص فريدة من نوعها ذات لزوجة صفرية وبنية تشبه البلورات التقليدية، مثل تلك الموجودة في ملح الطعام. وعلى عكس المواد النموذجية، التي تتصرف وفقًا لقوانين الفيزياء المألوفة، فإن المواد الصلبة الفائقة توجد في المجال الذي يمكن توصيفه فقط بميكانيكا الكم.
ويقول عالم الفيزياء الذرية والبصرية Iacopo Carusotto؛ من جامعة Trento في إيطاليا: “يمكننا أن نتخيل المادة الصلبة الفائقة كسائل مكون من قطرات كمية متماسكة مرتبة بشكل دوري في الفضاء”.
ويضيف كاروسوتو قائلًا: “القطرات قادرة على التدفق عبر أي عائق دون التعرض لأي اضطرابات، مع الحفاظ على ترتيبها المكاني والمسافة المتبادلة بينها دون تغيير كما يحدث في المواد الصلبة البلورية”.
تحويل الضوء الى مادة صلبة فائقة
لا يمكن الحصول على مثل تلك المواد إلا من خلال تجارب تتضمن ذرات مبردة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية، تقترب من الصفر المطلق، وهي الظروف التي تصبح فيها التأثيرات الكمية بارزة وقابلة للملاحظة.
وفي الآونة الأخيرة تمكن العلماء من توليد المواد الصلبة الفائقة عبر استخدام أشباه الموصلات، بدلًا من الذرات فائقة البرودة.
جدير بالذكر أن بأن فهم ما حدث في تلك التجربة بدقة أمر صعب. حيث يمكن حدوث فهم خاطئ بأن العلماء استخرجوا فوتونات حرة الحركة من الهواء وتم تحويلها إلى حالة غريبة من المادة. ولكننا يمكننا القول، بصورة جازمة، إن هذا لم يحدث فالضوء ليس بمادة، بل هو طاقة في نهاية المطاف.
لكن ما حدث بالفعل في عملية تحويل الضوء الى مادة صلبة فائقة هو أن الباحثين اضطروا إلى ربط الفوتونات بمادة ما. حيث نتجت الفوتونات من ليزر مُوجّه إلى شريحة من شبه موصل من زرنيخيد الألومنيوم والغاليوم As Ga Al. وتميزت تلك الشريحة بوجود خطوط ضيقة على سطحها كنمط متكرر.
فيما مثّل شبه الموصل في هذه الحالة الوسط المادي المطلوب لربط الفوتونات به. وفى النهاية أدى التفاعل بين ضوء الليزر وشبه الموصل إلى تكوين شبه جسيمات تسمى البولاريتونات، Polaritons.
البولاريتونات كمادة صلبة فائقة
وتعد هذه البولاريتونات أحد اشكال المادة الغريبة التي تحدثنا عنها. وتنشأ من التفاعل القوي بين الضوء وأزواج الإلكترون: فجوة في المادة شبه الموصلة.

وأدى نمط الخطوط الضيقة على سطح شبه الموصل دورًا حاسمًا في تقييد كيفية تحرك هذه الجسيمات شبه الذرية ومستويات طاقتها. ومكّن هذا البولاريتونات، في نهاية المطاف، من الاندماج في حالة فائقة الصلابة.
في حين واجه الفريق تحديًا كبيرًا لتعزيز نتائجهم. إذ احتاجوا إلى قياس ما يكفي من خصائص هذه المادة الصلبة الفائقة المتشكلة حديثًا بدقة. وتقديم دليل على أنها أظهرت بالفعل خصائص كل من المادة الصلبة والسائلة بدون لزوجة.
وتعد تلك التجربة فريدة من نوعها؛ حيث لم يتم إنشاء مادة صلبة فائقة مصنوعة من الضوء أو التحقق من صحتها تجريبيًا من قبل.
ردود فعل إيجابية واحتفاء علمي بالنتائج
أكد Alberto Bramati؛ من جامعة Sorbonne في فرنسا. أهمية الدراسة. وأشار إلى أنها تساهم في فهم أوسع لكيفية قدرة المادة الكمومية على تغيير حالاتها.
ويقول Dario Gerace؛ عالم فيزياء المادة المكثفة من جامعة Pavia الإيطالية: “إن تحقيق هذه الحالة الغريبة للمادة المكثفة في سائل الضوء المتدفق في بنية نانوية شبه موصلة. يسمح لنا بالتحقق من خصائصها الفيزيائية بطريقة جديدة وخاضعة للرقابة. وربما نكون قادرين على استغلال خصائص تلك المواد الفريدة لتطبيقات محتملة في أجهزة إصدار الضوء الجديدة”.
وفي ذات السياق يقول الفيزيائي Daniele Sanvitto؛ من معهد النانو تكنولوجيا. التابع للمجلس الوطني للبحوث : “هذا العمل لا يوضح فقط ملاحظة مرحلة فائقة الصلابة في منصة فوتونية. بل يفتح الطريق أيضًا لاستكشاف المراحل الكمومية للمادة في الأنظمة غير المتوازنة”.
ونشر الفريق البحث في مجلة Nature للعلوم.
الرابط المختصر :