واشنطن تُبقي خيار التدخل العسكري في كوبا مفتوحاً وسط حشد بحري وجوي غير مسبوق
واشنطن تُبقي خيار التدخل العسكري في كوبا مفتوحاً وسط حشد بحري وجوي غير مسبوق
في وقت تستنزف فيه الحرب مع إيران جانباً كبيراً من الجهد العسكري والسياسي الأميركي، يثير استمرار الحشد البحري والجوي الواسع في منطقة البحر الكاريبي تساؤلات حول نيات إدارة الرئيس دونالد ترمب. فهل تريد الإدارة إبقاء خيار التدخل العسكري في كوبا مفتوحاً؟ أم أن هذا الوجود العسكري بات جزءاً من استراتيجية ضغط قصوى تهدف إلى إحداث انهيار داخلي في هافانا؟
استراتيجية الغموض العسكري
ذكرت صحيفة «بوليتيكو»، نقلاً عن تقديرات ومسؤولين دفاعيين، أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أمضت أشهراً في إعداد «اللبنات» العسكرية اللازمة لأي عملية محتملة ضد كوبا، بدءاً من ضربات دقيقة وصولاً إلى سيناريوهات تستهدف القيادة في هافانا. وأشارت الصحيفة إلى أن ما ينقص هذه الخطط هو فقط قرار سياسي من الرئيس الأميركي.
المفارقة اللافتة هي أن هذا الانتشار، الذي يعد الأكبر خارج منطقة الشرق الأوسط، لم يتقلص رغم اندلاع الحرب الإيرانية؛ بل تعزز بوصول حاملة الطائرات «نيميتز» إلى البحر الكاريبي في شهر مايو (أيار)، برفقة مدمرات وطرادات قادرة على إطلاق صواريخ دقيقة، إضافة إلى طائرات استطلاع ومُسيَّرات تحلق حول الجزيرة منذ أشهر. وتزامن هذا التحرك مع اتهام الرئيس السابق راؤول كاسترو في قضية تعود إلى إسقاط طائرات لمنفيين كوبيين عام 1996، في خطوة بدت ذات دلالة سياسية بقدر ما هي قضائية.
من جانبها، رفعت هافانا نبرة التحذير. وقالت نائبة وزير الخارجية الكوبي، جوزفينا فيدال، إن خطر «عدوان عسكري» أميركي يتصاعد مع تعثر المحادثات الثنائية، متهمة واشنطن بـ«اختلاق ذرائع» للتدخل في ظل تشديد العقوبات وحصار الوقود المفروض على البلاد.
وظيفة الحشد العسكري بين الردع والضغط
تتعامل واشنطن مع كوبا اليوم بوصفها «أزمة أمن قومي»، وليس مجرد ملف أيديولوجي قديم. فقد قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن «دولة فاشلة على بعد 150 كيلومتراً من شواطئنا» تمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وهو توصيف يضع الانهيار الاقتصادي، والهجرة، ونفوذ خصوم واشنطن المحتملين، في سلة واحدة.
في هذا السياق، لا يُعد إبقاء حاملة الطائرات «نيميتز» في الكاريبي خطوة رمزية فقط. فالحاملة، التي كان من المقرر أن تنتهي خدمتها قبل أن يُمدد عمرها حتى عام 2027، تمنح الإدارة قدرة فورية على توجيه ضربات أو فرض ضغط نفسي وسياسي على هافانا. كما أن الطائرات المتمركزة في قاعدتي فلوريدا وبورتوريكو تضيف عمقاً عملياتياً لأي تحرك محتمل.
لكن الحشد العسكري في الكاريبي لا يعني بالضرورة أن التحرك العسكري وشيك. فالخيارات التي يتيحها هذا الانتشار تتراوح بين الاستعراض والردع، وضرب الدفاعات الجوية أو مراكز القيادة، وصولاً إلى دعم أي انتقال سياسي في حال حدوث انفجار داخلي. أما شن عملية برية واسعة النطاق فسيتطلب قوات إضافية وتكلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، خصوصاً أن واشنطن منخرطة بالفعل في مواجهة مفتوحة مع إيران. لذلك، يبدو أن الإدارة تريد الاحتفاظ بسلم تصعيد كامل: تهديد مقنع، وقدرة جاهزة، وغموض متعمد حول نياتها.
كوبا المنهكة في مواجهة الضغط الأميركي
تدرك إدارة ترمب أن كوبا تمر بواحدة من أسوأ لحظاتها منذ عقود. فالأزمة الاقتصادية، ونقص الوقود، وانقطاعات الكهرباء الطويلة، وتراجع شبكات الدعم التقليدية، كلها عوامل جعلت النظام أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وتشير تقارير حديثة إلى أن انقطاعات الكهرباء وصلت في بعض المناطق إلى ساعات طويلة يومياً، بينما تُصر واشنطن على أن سبب المعاناة هو فساد النظام وسوء إدارته، لا العقوبات وحدها. في المقابل، تقول هافانا إن تشديد القيود الأميركية وحصار الوقود فاقما الأزمة، ودفعا البلاد نحو حافة إنسانية خطرة.
وبحسب محللين، فإن وظيفة الحشد العسكري ليست بالضرورة بدء الحرب؛ بل تشجيع وتسريع الانهيار الداخلي، وإقناع النخبة الكوبية بأن الزمن يعمل ضدها. فالإدارة، كما تظهر تصريحات روبيو وترمب، تراهن على مزيج من الحصار الاقتصادي والتهديد العسكري والملاحقة القانونية للرموز التاريخية للنظام. وهذا هو السبب في أن واشنطن لا تسحب قواتها من الكاريبي رغم حاجتها إلى الموارد في الشرق الأوسط؛ فالكاريبي بالنسبة إليها ليس جبهة ثانوية، بل هو مسرح قريب من الداخل الأميركي يمكن أن يتحول بسرعة إلى ملف هجرة وأمن وحدود وانتخابات.
تداعيات الانتشار الطويل
غير أن هذا الرهان يحمل تكلفة متصاعدة. فالسفن الأميركية تمضي أشهراً طويلة في البحر تتجاوز المدد المعتادة للانتشار، ما يضغط على الطواقم والصيانة والجاهزية القتالية.
ووفق تقرير «بوليتيكو»، يخشى مسؤولون دفاعيون من أن تؤدي هذه المهام المتتابعة والمفتوحة إلى مشكلات طويلة الأمد في إصلاح السفن والاحتفاظ بالعناصر البشرية. كما أن بعض القطع البرمائية، مثل «إيو جيما» و«فورت لودرديل»، تستعد للعودة إلى قواعدها، بينما يمكن أن تحل مجموعة «كيرسارج» وقوة من نحو 2500 من مشاة البحرية (المارينز) محلها إذا قررت الإدارة إبقاء الضغط قائماً.
الأخطر سياسياً بالنسبة للإدارة الجمهورية هو أن أي ضربة ضد كوبا قد تفتح «الحرب الثالثة» لإدارة ترمب بعد فنزويلا وإيران، وتمنح خصوم واشنطن دليلاً على أن سياسة تغيير الأنظمة عادت إلى الواجهة. وقد حذرت كوبا من أن التخلي عن الحوار لمصلحة الحرب سيقود إلى «سفك دماء» وخسائر كبيرة للطرفين، بينما تقول واشنطن إن قناة الاتصال لا تزال مفتوحة، لكنها لا تستبعد استخدام القوة.



