محليات

هل تمثل الشركات الاستشارية الحديثة نسخة معاصرة لظاهرة الفناريين؟

يُعَدّ التاريخ سجلًّا حافلًا بتجارب الأمم، حيث يخلد انتصاراتها وإخفاقاتها. وقد لخص ذلك المؤرخ ابن خلدون بقوله: «الماضي أشبه بالمستقبل من قطرة ماء بقطرة ماء». وربما عبّر الروائي مارك توين عن الفكرة نفسها بعبارة أخرى: «التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه كثيرًا ما يتشابه في القافية». ما يعني أن الأنماط تتكرر بأسماء وأزمان مختلفة، دون أن تعود الشخصيات أو الظروف أو الوقائع نفسها.

النفوذ الخارجي عبر العصور

من بين الظواهر المتكررة عبر التاريخ بروز نفوذ جهات خارجية داخل مؤسسات الدولة، سواء كانت أفرادًا أو جماعات أو مستشارين أو نخب إدارية واقتصادية. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت طبقة من النخب اليونانية المسيحية عُرفوا باسم «الفناريين» نسبةً إلى حي الفنار في القسطنطينية. شغل هؤلاء الفناريون مناصب إدارية ودبلوماسية حساسة داخل الدولة العثمانية، تضمنت وظائف الترجمة ومناصب كبار المسؤولين وولاة الإمارات الدانوبية.

على الرغم من أن حضورهم أسهم في نقل خبرات إدارية ودبلوماسية مهمة، إلا أن توسّع نفوذهم أثار استياء فئات واسعة من المجتمع العثماني، إذ رآه البعض تجسيدًا للمحسوبية والفساد وتواطؤ مع مصالح خارجية. ومع تصاعد الحركات القومية، صارت مظاهر النفوذ تلك رمزًا للضعف المتصاعد للدولة، ما ساهم في تأجيج التوترات السياسية والقومية، ولا سيما الثورة اليونانية عام 1821 وما تلاها من تراجع تدريجي للسلطة العثمانية في البلقان.

نماذج أخرى من الاعتماد الخارجي

تجلى الظاهرة كذلك في الإمبراطورية الرومانية الغربية خلال القرنين الرابع والخامس، حين بدأ القادة الجرمان وغيرهم من «البرابرة» يشغلون مناصب سياسية وإدارية داخل الدولة. تجاوز دورهم المجال العسكري لتشمل إدارة المقاطعات والوصاية على الأباطرة، مما أدى إلى تآكل ثقة النخب الرومانية التقليدية وتفاقم الشعور بفقدان الهوية السياسية للروما. تجسدت هذه العملية في شخصيات مثل ريكيمر الذي كان له يد في تعيين وعزل الأباطرة، وأودواكر الذي أنهى فعليًا حكم الإمبراطور رومولوس أوغستولوس عام 476 م.

في الصين، اتخذ النفوذ الخارجي شكلًا اقتصاديًا وإداريًا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، إذ فرضت القوى الغربية والشرقية معاهدات غير متكافئة منحت الأجانب صلاحيات واسعة في مجالات الجمارك والسكك الحديدية والتجارة الدولية. أدّى ذلك إلى تقويض السيادة المالية للإمبراطورية الصينية وإضعاف شرعية النظام أمام طبقات واسعة من المجتمع، ما مهد الطريق لثورة شينهاي عام 1911 وسقوط سلالة تشينغ.

الشركات الاستشارية كنسخة حديثة؟

يتضح من هذه النماذج أن العامل المشترك ليس مجرد وجود جهات خارجية، بل اعتماد الدولة المفرط على قوى أو نخب غير محلية لإدارة شؤونها. في كثير من الحالات، كشف هذا الاعتماد عن أزمات أعمق في مؤسسات الدولة، مثل ضعف البنية الإدارية وتراجع كفاءة النخب المحلية وغياب المساءلة، مما جعل النفوذ الخارجي عاملًا مسرّعًا للأزمات.

تطرح اليوم سؤالًا مشابهًا: هل تمثل الشركات الاستشارية العالمية النسخة المعاصرة لهذه الظاهرة؟ لا يمكن إنكار أن الاستشاريين يضيفون قيمة عبر نقل الخبرات وبناء القدرات وتطوير السياسات العامة، وأن الاستفادة من الخبرات الدولية أمر شائع بين الدول المتقدمة والناشئة. إلا أن الإشكالية تظهر عندما تتحول بعض هذه الشركات من دور استشاري تقني إلى فاعل مؤثر في تشكيل شبكات النفوذ وصنع القرار وتوجيه التعيينات داخل المؤسسات.

لا يمكن القول إن جميع الشركات الاستشارية تنحاز فقط للمنطق التجاري، فبعضها يحمل أجندات خفية ومصالح مؤسسية طويلة الأمد، وشبكات نفوذ قد تدفعها أولويات استراتيجية لتوسيع تأثيرها بما يتجاوز مهمتها الرسمية.

أنماط السلوك المتكررة للشركات في المنطقة

من خلال تجارب متعددة في المنطقة، يمكن رصد ثلاثة أنماط شائعة:

النمط الأول يتمثل في الاعتماد على كوادر قليلة الخبرة لإدارة مشاريع استراتيجية ضخمة، حيث تلاحظ فجوة واضحة بين الكفاءات المتوفرة في المقرات الرئيسية لتلك الشركات وتلك التي تُرسل إلى المنطقة.

النمط الثاني يتضمن مستشارين أجانب يمتلكون خبرات، لكن يُوظّفون في «هندسة العلاقات وتأمين النفوذ». يُلاحظ أن بعض الموظفين المحليين يفضلون إطاعة هؤلاء المستشارين على مديريهم المباشرين، مدفوعين بالوهم بأن هذا المستشار هو مفتاح ترقيتهم.

النمط الثالث يرتكز على ما يُسمى «التوطين» أو توظيف شباب المنطقة كـ«واجهة محلية» تحت شعارات تدريب الكوادر ورفع المهارات، لكن دون طلب عمق معرفي، ما يجعل هؤلاء الشباب يعملون كـ«نعم مان» يروجون لمصالح الشركة.

هذا التحليل لا يعني رفض الاستفادة من الخبرات الأجنبية، بل يسلط الضوء على الفارق بين الاستعانة بخبير متخصص لحل مشكلة محددة، وبين بناء شبكات نفوذ تتجاوز الإطار الاستشاري لتؤثر في اتخاذ القرارات والتعيينات.

في السنوات الأخيرة، حصلت بعض الشركات الاستشارية على عقود بمليارات الدولارات في المنطقة، إلا أن الأثر التنموي أو المؤسسي في كثير من الحالات لم يتناسب مع حجم الإنفاق. بعض المشاريع انتهت إلى نتائج مخيبة للآمال أو إلى إخفاقات تشغيلية واضحة، مما يثير سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كنا نعيش نسخة حديثة من ظاهرة الفناريين.

الخلاصة أن الانفتاح على الخبرات العالمية يبقى ضروريًا، لكن يجب التفريق بين الاستفادة من «خبير» يملأ فجوة محددة في إطار سيادي، وبين تسليم مفاتيح التخطيط المستقبلي لشبكات مصالح أجنبية ذات أجندات متشابكة. إن قراءة التاريخ بعمق تساعد على تجنب الوقوع في دورات مكررة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى