الحرب على إيران تكشف حدود الهيمنة الأمريكية على صور الأقمار الصناعية
أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران للعالم حدود هيمنة الولايات المتحدة على الأقمار الصناعية، في وقت يتجه فيه العملاء في السوق الحرة للبحث عن بدائل أوروبية وصينية، بعد امتناع واشنطن عن إتاحة الصور خلال النزاع.
ولطالما شكّل الصراع على السيطرة على المعلومات جزءاً رئيسياً من النزاعات منذ الثورة التكنولوجية في أواخر القرن العشرين. وخلف جبهات الدعاية والرقابة ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، تدور معركة أخرى في مدار الأرض.
ةعلى مدى عقود، قدمت شركات الأقمار الصناعية الأمريكية مثل بلانيت لابز وفانتور جزءًا كبيرًا من رؤية العالم التجاري لمناطق الحرب والأضرار البيئية والأزمات الإنسانية.
وأصبحت صور الأقمار الصناعية عالية الدقة ضرورية للصحفيين والباحثين ومنظمات الإغاثة والمحللين العسكريين الذين يسعون لفهم ما يجري على أرض الواقع. فمن تتبع تحركات القوات إلى توثيق أضرار القصف وكشف الدمار الشامل، أحدثت صور الأقمار الصناعية التجارية نقلة نوعية في مجال التغطية الصحفية والاستخبارات مفتوحة المصدر.
وهيمنت الولايات المتحدة على هذا السوق لفترة طويلة، ليس فقط من خلال ريادتها التكنولوجية، بل أيضاً من خلال امتيازاتها في الوصول إلى قدرات الإطلاق ورأس المال والسيطرة التنظيمية. عملياً، احتكرت الولايات المتحدة تقريباً جزءاً كبيراً من الصور الأكثر تفصيلاً المتاحة تجارياً في العالم.
لكن يبدو أن الحرب الإيرانية قد كشفت عن حدود تلك الهيمنة. إذ قامت شركة بلانيت لابز بتمديد فترة التأخير المتعلقة بصور الشرق الأوسط من أربعة أيام إلى 14 يومًا في مارس 2026، قائلة إن الهدف من ذلك هو منع خصوم الولايات المتحدة من استخدام البيانات ضد أمريكا وحلفائها.
ثم قامت الشركة لاحقاً بحجب الصور الحديثة لإيران والمناطق المحيطة بها التي تشهد نزاعات، وفقاً لإشعارات الشركة.
كما فرضت شركة فانتور ضوابط أكثر صرامة على الصور الملتقطة من أجزاء من الشرق الأوسط، مؤكدة سعيها لمنع استخدام البيانات الجغرافية المكانية الحساسة بطرق قد تُعرّض الولايات المتحدة أو حلفاءها للخطر.
مع أن هذه الشركات مؤسسات تجارية ذات أولويات، إلا أنها لا تعمل بمعزل عن السياسة، إذ تخضع شركات الاستشعار عن بعد الأمريكية لقوانين اتحادية تسمح لواشنطن بتقييد جمع أو توزيع الصور عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو السياسة الخارجية.
ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى امتلاك كل صورة لتحديد من يراها، إذ يكفيها التأثير على الشركات من خلال التراخيص والأطر القانونية التي تحدد الوصول إليها.
ويُظهر نطاق شركة بلانيت لابز أهمية هذا النفوذ، حيث يمتلك أسطولها نحو 200 قمر صناعي قادر على تصوير اليابسة يومياً، ما يجعل هذا الوصول أداة أساسية لتوثيق الحروب وتحركات القوات والأزمات الإنسانية.
لكن مع تقلص فرص الوصول، بدأ المستخدمون بالبحث عن بدائل. وقد أصبحت شركات أوروبية مثل إيرباص للدفاع والفضاء ووكالة الفضاء الأوروبية أكثر جاذبية، نظراً لعدم خضوعها للقيود الأمريكية بنفس الدرجة.
كما برزت شركات الأقمار الصناعية الصينية، حيث طورت الصين قطاعاً متنامياً لمراقبة الأرض عبر شركات مثل ميزرفيجن وتشانغ غوانغ، التي تبني واحدة من أكبر كوكبات التصوير التجاري خارج الولايات المتحدة.
وقال محلل صناعة الطيران والفضاء أدريان نوريس إن مراقبة الأرض التجارية أصبحت الآن منتشرة على نطاق واسع، بعد أن كانت تهيمن عليها الولايات المتحدة بشكل شبه كامل في السابق.
وأضاف أن الصين تمكنت خلال سنوات قليلة من تطوير قدرة تصوير عالية الدقة تسمح بتغطية أي نقطة على الأرض عدة مرات يومياً، ما يعكس تسارع المنافسة الدولية في هذا المجال.
ويتوقع نوريس أنه خلال خمس سنوات لن يكون لأي دولة سيطرة كاملة على الصور التجارية من الفضاء، في ظل توسع قدرات دول متعددة.
ويثير هذا التحول قلق واشنطن، حيث حذرت مذكرة مسربة من وزارة الخارجية الأمريكية الحلفاء من الاعتماد على الخدمات الصينية، بدعوى احتمال تعريض البيانات الحساسة للخطر.
وتكشف هذه التطورات عن تناقض جوهري في الاستخبارات مفتوحة المصدر، إذ تبقى البيانات تجارية من حيث الشكل، لكنها تخضع لاعتبارات سياسية من حيث الوصول والتحكم.
وبالنسبة للصحفيين والباحثين، فإن الاعتماد على منظومة واحدة يحمل مخاطر سياسية واضحة، في وقت تتجه فيه السوق نحو مزيد من التعددية والتنافس.
ومن المتوقع أن ينضم أكثر من ألف قمر صناعي جديد إلى شبكات مراقبة الأرض خلال السنوات المقبلة، التي تضم حالياً أكثر من 12 ألف قمر، ما سيجعل الوصول إلى الصور أكثر انتشاراً وتنافسية، وأصعب على أي قوة منفردة السيطرة عليه.
وعليه قد تُسجّل الحرب الإيرانية كنقطة تحول أدرك فيها العالم أن الهيمنة الأمريكية على الفضاء لم تعد مطلقة كما كانت في السابق.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74856



