الحرب مع إيران تكشف هشاشة مشروع الإمارات وتُسقط وهم «إسبرطة الصغيرة»
كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حدود النفوذ الإقليمي الذي بنت عليه الإمارات العربية المتحدة صورتها خلال العقدين الماضيين، بعدما وجدت أبوظبي نفسها عاجزة عن ترجمة شبكاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى قوة ردع حقيقية أمام الضربات الإيرانية والاضطرابات التي أصابت الخليج.
ورأى الباحث المتخصص في شؤون الخليج أندرياس كريج أن الحرب الأخيرة حطمت عملياً سردية “إسبرطة الصغيرة” التي روّجت لها الإمارات لسنوات، باعتبارها دولة صغيرة قادرة على لعب دور قوة إقليمية متوسطة تتجاوز حدودها الجغرافية والديموغرافية.
وأوضح كريج أن أبوظبي اعتمدت طوال السنوات الماضية على نموذج يقوم على “قوة الشبكات”، عبر بناء منظومة نفوذ واسعة شملت الموانئ والاستثمارات وشركات الأمن الخاصة والعلاقات مع القوى الكبرى، إلى جانب التدخلات الإقليمية الممتدة من اليمن إلى السودان.
وأضاف أن الإمارات نجحت في تقديم نفسها كدولة غنية ومرنة وقادرة على التأثير في محيطها الإقليمي والدولي بصورة تفوق حجمها الطبيعي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين.
لكن الأشهر الأخيرة، وفق التقرير، كشفت التناقض العميق بين الطموحات الإماراتية والواقع الجيوسياسي الصعب الذي تعيشه الدولة الخليجية.
وأشار إلى أن الهجمات الإيرانية على البنية التحتية الخليجية وضعت أبوظبي أمام حقيقة هشاشتها الاستراتيجية كدولة صغيرة تعتمد على الاقتصاد المفتوح والتجارة والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش التي انتقد فيها الحلفاء الإقليميين والدوليين، قائلاً إن “الصديق تحول إلى وسيط بدلاً من أن يكون حليفاً داعماً ثابتاً”.
واعتبر التقرير أن تصريحات قرقاش تعكس حالة إحباط داخل أبوظبي بسبب فشلها في حشد جيرانها وشركائها خلف موقف أكثر تشدداً وعدائية تجاه إيران.
كما أشار إلى مقال للمعلق الإماراتي طارق العتيبة هاجم فيه ما وصفه بفشل التضامن العربي والتعددية الخليجية في ردع إيران بشكل جماعي، بينما تحدث السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة عن استعداد بلاده للمشاركة في مبادرة دولية لإعادة فتح مضيق هرمز وتحمل جزء من الأعباء العسكرية المرتبطة بذلك.
لكن الكاتب يرى أن هذه الرسائل الإعلامية والسياسية لا تخفي الحقيقة الأساسية، وهي أن الإمارات لم تتمكن من تحقيق استقلال استراتيجي حقيقي رغم كل ما راكمته من نفوذ اقتصادي وأمني.
وأوضح أن القوة القائمة على الشبكات والعلاقات الدولية لا تكفي عندما يتعلق الأمر بمواجهة مباشرة مع دولة تمتلك قدرات عسكرية وجغرافية مثل إيران.
وأشار إلى أن الحرس الثوري الإيراني تمكن من كشف حدود القوة الإماراتية، بعدما أثبتت الترسانة العسكرية الضخمة التي تمتلكها أبوظبي محدودية قدرتها على الردع الفعلي.
وأضاف أن القوى الدولية التي نسجت الإمارات معها علاقات واسعة لم تتدخل لحمايتها بالشكل الذي كانت تتوقعه.
فروسيا، رغم العلاقات الاقتصادية والسياسية المتنامية مع أبوظبي، لم تتحرك للدفاع عنها، بينما اكتفت الصين بإصدار بيانات تدعو إلى الاستقرار، في حين قدمت واشنطن تطمينات سياسية دون إجراءات ردع حقيقية.
ويرى التقرير أن تحول الإمارات إلى مركز مالي وتجاري عالمي جعلها أيضاً هدفاً مباشراً لإيران، لأن اقتصادها يعتمد أساساً على الثقة والاستقرار وتدفق التجارة والاستثمارات.
وأوضح أن طهران لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير الإمارات عسكرياً، بل يكفيها التشكيك في استقرارها لدفع المستثمرين وشركات الشحن والتأمين والمغتربين إلى إعادة حساباتهم.
وأشار إلى أن الحرب الأخيرة أظهرت أن الإمارات ليست استثناءً من حالة انعدام الأمن التي يعيشها الخليج، مهما حاولت تقديم نفسها كقوة مختلفة عن بقية دول المنطقة.
كما انتقد التقرير محاولات أبوظبي إظهار التحدي عبر توجيه رسائل إعلامية وسياسية هجومية ضد جيرانها الخليجيين والشركاء الإقليميين الذين اختاروا الوساطة أو الحياد بدلاً من التصعيد ضد إيران.
واعتبر أن الإمارات أمضت سنوات في التعامل مع مجلس التعاون الخليجي باعتباره عائقاً أمام طموحاتها، لكنها اكتشفت تحت الضغط أنها بحاجة إلى جيرانها أكثر من أي وقت مضى.
وأضاف أن الأمن الإماراتي لا يمكن تحقيقه عبر التحالفات الثنائية فقط أو عبر التقارب مع إسرائيل، بل يتطلب منظومة أمن جماعي خليجية تعترف بأن دول الخليج تواجه تهديدات ومصيراً مشتركاً.
وأشار إلى أن أبوظبي مطالبة بالتوقف عن اعتبار وساطات دول مثل قطر وعُمان وباكستان نوعاً من الخيانة، والنظر إليها باعتبارها جزءاً من إدارة التوازنات الإقليمية.
كما دعا الإمارات إلى إدراك أن ثقل السعودية وعمقها الاستراتيجي عنصر لا يمكن تجاوزه في أي نظام أمني خليجي مستقبلي.
وختم التقرير بالتأكيد على أن المشكلة ليست في طموح الإمارات للعب دور قوة متوسطة، بل في الاعتقاد بأن هذا الطموح يمكنه إلغاء هشاشة الدولة الصغيرة أو تجاوز الجغرافيا السياسية للخليج.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75157



