ثلاثة صراعات كبرى تعيد تشكيل سباق الذكاء الاصطناعي الأمريكي ضد الصين
تشهد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي ثلاث صراعات رئيسية تعيد رسم ملامح السباق العالمي بصورة متسارعة، وسط تغيرات سياسية وتشريعية وجيوسياسية تتبدل بشكل شبه أسبوعي.
وتتمثل هذه الصراعات في المنافسة المباشرة مع الصين على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، والتضارب بين القوانين الفيدرالية وقوانين الولايات الأمريكية، إضافة إلى السياسات الأوروبية الخاصة بتنظيم الذكاء الاصطناعي.
ويرى مراقبون أن هذه الملفات الثلاثة ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من الحفاظ على موقعها كقائد عالمي في مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم.
وأكد قادة في قطاع الذكاء الاصطناعي أن التكنولوجيا الجديدة باتت تتطلب شكلاً من أشكال التعاون الدولي، رغم المخاوف الأمريكية المتزايدة من سرقة الصين للتكنولوجيا أو عدم توافق نماذجها مع القيم الغربية.
واكتسب الملف أهمية إضافية خلال القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقيادة الصينية هذا الأسبوع.
وقال كريس ليهان إن الذكاء الاصطناعي “يتجاوز الكثير من القضايا التجارية التقليدية”، مقترحاً إنشاء نظام حوكمة عالمي للذكاء الاصطناعي يشمل الصين ودولاً أخرى حول العالم.
وأضاف ليهان أن هناك “فرصة حقيقية لبناء إطار عالمي تشارك فيه دول مختلفة، بما في ذلك الصين”.
ورغم الدعوات للتعاون، يواجه المسؤولون الأمريكيون تحدياً يتمثل في الموازنة بين المنافسة الشرسة مع الصين والحاجة إلى التنسيق الدولي بشأن معايير السلامة والأمن المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
كما تواجه واشنطن انقسامات داخلية بشأن مستوى التكنولوجيا المتقدمة التي ينبغي السماح للصين بالوصول إليها، وهو ملف يثير جدلاً واسعاً داخل المؤسسات السياسية الأمريكية.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة والصين ستعملان على وضع نوع من بروتوكولات السلامة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، لكنه اعتبر أن هذا التعاون ممكن فقط لأن واشنطن لا تزال تتصدر السباق التكنولوجي.
إلا أن تقارير أمريكية أظهرت أن الفارق التقني بين البلدين قد يكون محدوداً، بعدما خلص تحليل أجرته وزارة التجارة الأمريكية إلى أن نموذج “DeepSeek V4 Pro” الصيني يتأخر عن النماذج الأمريكية المتقدمة بنحو ثمانية أشهر فقط.
وفي السياق نفسه، دعت شركة Anthropic إلى فرض قيود تصدير أكثر صرامة ومواجهة ما وصفته بسرقة الملكية الفكرية من جانب الحزب الشيوعي الصيني، بهدف الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة في هذا المجال.
كما حث أعضاء جمهوريون وديمقراطيون في الكونغرس إدارة ترامب على توخي الحذر في تعاملها مع الصين في ملف الذكاء الاصطناعي.
وعارض السيناتور كريس كونز السماح للصين بالحصول على أحدث رقائق شركة NVIDIA.
فيما قال السيناتور جيم بانكس إن سياسة الذكاء الاصطناعي تمثل “مجالاً بالغ الصعوبة” بسبب الحاجة إلى تحقيق هدفين متوازيين، هما الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي ضد الصين، والتعامل في الوقت نفسه مع التحديات الأمنية المرتبطة بذلك.
وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، يتصاعد الجدل بين مؤيدي وضع تشريع فيدرالي موحد للذكاء الاصطناعي وبين الولايات التي بدأت بالفعل في سن قوانين خاصة بها.
ودفعت شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، إلى جانب إدارة ترامب، باتجاه اعتماد معيار فيدرالي موحد، معتبرة أن تعدد القوانين المحلية المتضاربة سيؤدي إلى إبطاء تطور الشركات الأمريكية.
لكن مع توسع القوانين المحلية المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي، بدأت بعض المختبرات الكبرى تميل إلى ما وصفه كريس ليهان بـ”الفيدرالية العكسية”، أي السماح للولايات بقيادة عملية التشريع عبر تبني قوانين متشابهة.
وأعلنت شركتا OpenAI وAnthropic دعمهما لمشروع قانون “SB 315” في ولاية إلينوي، وهو مشروع مشابه لقوانين مطبقة في كاليفورنيا ونيويورك تلزم مختبرات الذكاء الاصطناعي بتقديم تقارير تتعلق بالسلامة.
وقال ليهان إنه في حال تمكنت مجموعة من الولايات الكبرى من الاتفاق على هذه القواعد، فإن ذلك سيؤدي عملياً إلى إنشاء معيار وطني غير رسمي.
ويرى مراقبون أن المختبرات الكبرى باتت تفضل هذا النوع من “المعايير الواقعية” لأنه أكثر قابلية للتطبيق من محاولة تمرير تشريع فيدرالي شامل يصعب تحقيق توافق سياسي بشأنه.
وفي الوقت نفسه، تنفق لجان عمل سياسي مرتبطة بشركات الذكاء الاصطناعي ملايين الدولارات لدعم مرشحين سياسيين بهدف التأثير على مستقبل التشريعات المرتبطة بالقطاع.
لكن هذه التحركات تتزامن مع تراجع الثقة الشعبية الأمريكية تجاه الذكاء الاصطناعي، إذ أظهر استطلاع جديد أجرته جامعة بنسلفانيا أن 17 في المئة فقط من الأمريكيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير إيجابي على الولايات المتحدة خلال العقد المقبل.
وأشار التقرير إلى أن مفهوم “التقدم” في الذكاء الاصطناعي، كما تراه الشركات المطورة، بدأ يصطدم بالواقع السياسي والمخاوف الشعبية بشأن مستقبل الوظائف والخصوصية والأمن.
أما على الصعيد الأوروبي، فتواجه شركات التكنولوجيا الأمريكية تحديات إضافية نتيجة السياسات التنظيمية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.
ويشكل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، إلى جانب قانون الأسواق الرقمية وقانون الخدمات الرقمية، مصدر ضغط على شركات التكنولوجيا الأمريكية بسبب القيود التنظيمية والغرامات المرتبطة بها.
لكن أوروبا تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على جاذبيتها للشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى ضمان الوصول إلى النماذج الأكثر تقدماً.
ولهذا السبب، وافق البرلمان الأوروبي خلال الشهر الجاري على تخفيف بعض قواعد الذكاء الاصطناعي وتأجيل تنفيذ أجزاء منها.
ورغم استمرار البيروقراطية الأوروبية كعائق أمام شركات التكنولوجيا الأمريكية، فإن التسارع الكبير في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يمنح هذه الشركات هامشاً مؤقتاً للتحرك.
ويخلص التقرير إلى أن ما يخدم تقدم الذكاء الاصطناعي لا يتوافق دائماً مع اعتبارات الجغرافيا السياسية أو المزاج الشعبي، وهو ما يجعل السباق العالمي على هذه التكنولوجيا أكثر تعقيداً من مجرد منافسة تقنية بين واشنطن وبكين.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75082



