اقتصاد

كيف يتحول الإرضاء إلى سلاح لتقويض الوعي في زمن التقنية المتطرفة

عربي و عالمي

كيف يتحول الإرضاء إلى سلاح لتقويض الوعي في زمن التقنية المتطرفة

تتجلى في الساحة الحالية ظاهرة جديدة من القسوة البسيطة تُعرف بالمطابقة المفرطة، حيث يُجبر الفرد على إظهار ابتسامة عامة حتى يضيع صوته بين الضجيج المحيط، ليس بدافع القناعة بل خوفاً من الانتقاد. في ظل هذا السياق لا يبقى نقص المعلومات هو القلق الوحيد؛ بل يصبح الوضوح نفسه موضع خجل، وتُستقبل الأسئلة الصريحة كتهديد. عندما يتحول التمسك بإرضاء الآخرين إلى معيار أعلى من الدقة الفكرية، يظل المظهر الخارجي هو ما يُعرض دون أن يُختبر جوهر الفكرة.

خطاب القادة وإعادة تعريف الحقيقة

يستمر المتحدثون، الذين تمثل دولها أوجه القوة التكنولوجية والعسكرية والإعلامية، في الترويج لمعالجة “التضليل والمعلومات المضللة”. لكن عندما يُفكك هذا المصطلح، تظهر نية أعمق: ليس حماية الحقيقة بقدر ما هو فرض سيطرة على من يملك حق القول. يصبح أي رأي مخالف عرضة للوسم، وأي اعتراض يتحول إلى تهديد قبل أن يُسمع. بهذه الطريقة لا تُستهدف الكذبة وحدها، بل تُستهدف الأذن القادرة على تصديق الحقيقة، فيتحول الإعلام من قناة معرفة إلى وسيلة لتوجيه العقول.

الوعي كقضية وليس تشخيصاً

يُظهر المتحدثون، في خطبهم التي توحي بانقسام الكون، أن الانقسامات داخل المجتمعات تتسارع. إلا أن سؤال الانقسام يطرح نفسه إذا كان جزءاً من استيقاظ الشعوب وتمسكها بحق الفهم. هنا يتحول الوعي إلى “مشكلة” لا إلى تشخيص حقيقي، وعند غياب تعريف المشكلة الأصلي يتحول الحل إلى محاولة لاستعادة السيطرة قبل أن تتحول الوعي إلى أداة للمساءلة. فإذا كانت السلطات تخشى “اليقظة”، فإنها لا تسعى إلى توحيد الناس بل إلى إسكاتهم.

العصر الذكي: وعود ومخاطر

تُرفع راية “العصر الذكي” لتقديم التكنولوجيا كعهدٍ بلا قيود، وتُصوَّر المراقبة كخدمة، وتُطرح الأتمتة كمنقذ. تحت هذا القناع الجذاب يتسلل مفهوم شرس: تحويل الإنسان إلى رقم، وتحوُّل الحرية إلى إجراء، والقرار إلى تحليل موجه. قد يُدعون أن هذه الأدوات تُوفر فرصاً لنهضة جديدة، إلا أن السؤال الذي لا يجوز تأجيله هو: نهضة لمن؟ ولمن ستُستَخدم الأدوات؟ ومن يملك القدرة على إعادة رسم حدود الممكن؟

من الفتنة إلى المقاومة الداخلية

عند تلاحم هذه الرسائل يتضح خيطٌ موحد يربط بينها جميعاً: تفكيك الوعي ثم إعادته وفقاً لمقاييس السلطة. تُستَخدم “المخاطر” أحياناً كقناع لانتزاع الحقوق، وتُستَغل “التقدم” كذريعة لتشديد القيود، بينما يُحوَّل “الأمن” إلى وسيلة لتطبيع الخضوع. وهنا لا يتبدل الاستبدال بين القديم والجديد تقنياً فحسب، بل أخلاقياً: يصبح الحق قابلًا للتعديل، وتصبح الحقيقة قابلة للتصفية، وتُصادر الاختلافات باسم “الاستقرار”.

لكن الإنسان لا يُقَدَّر له أن يُبرمج بلا مقاومة داخلية. كما أشار سانت‑إكزوبيري، فإن بناء سفينة لا يتم بجمع الرجال وتوزيع الأوامر فحسب، بل بتعليم الناس شغف البحر الواسع. هذا الشغف ليس مجرد رومانسية، بل شرط للكرامة؛ فالعقل المتعطّش للأفق لا يقبل أن يُختزل في نشرة أو أن تُقيد حياته بمؤشرات. فإذا أرادت الدول التي تدعي القيادة أن تجعل البشر أسرى نظام عالمي غير خاضع للمساءلة، فإن تعليم الاشتياق يصبح أول تمرد هادئ.

ومن هذا المنطلق تبرز العبارة التي تستفز التفكير: إذا كانت الحقيقة تقتل أصحاب الادعاءات، فربما لأن الحقيقة تحرج من يعيش على تزيين الوهم. وتُقال إن الحقيقة تُقال من قبل من يرغب في الرحيل، وأن اتهام الآخرين بالخطر قد يكون دليلاً على أن العيب ليس في الكلام بل في العقول التي ترفض الفهم. وهكذا يتضح أن التصنيف لا يكون دائماً نقاشاً، بل يصبح محكمة صامتة تحكم على الحقيقة قبل أن تُقدَّم وتخنق السؤال قبل أن يتبلور.

إلى جانب ذلك، يجب أن نُعيد النظر في موازيننا كي لا نستسلم لليأس: فالغالبية العظمى من الناس طيبون ولا يرغبون في تدمير العالم، لكن قد تُستَدرجهم وسائل الإغواء أو تُخدِّدهم مخاوف غير مبررة. إذن، ليست المشكلة في البشر الطيبين بحد ذاتهم، بل في القلة القادرة على تحويل القوة إلى آلة، واستخدام الإعلام لتقليل القدرة على التمييز. في النهاية، الخطر لا يكمن في كراهية الآخرين بقدر ما هو في ضعف البصيرة عندما تتواطأ الواجهة مع التوجس.

قد يظن البعض أنه يستطيع رؤية إبرة في بحرٍ هائج، لكنه يغفل عن رؤية الأسد داخل عينه. بمعنى آخر، نتابع تفاصيل سطحية – خبر، صورة، لقطة – وننسى العيب الأكبر الذي يكمن في طريقة اتخاذ القرار. هذه هي مأساة العصر الذي تُدار فيه الأحداث: تُعطى الشعوب ضجيجاً بدل بوصلة، ما يسمح لها بالظهور بمظهر المتيقظين بينما تُحرم من القدرة على إجراء تشخيصات عميقة. وعند غياب هذه القدرة يصبح إلقاء اللوم على الآخرين سهلًا، وتُزيَّن الفوضى التي تنبع من المصادر الأساسية.

إذا كانت الشاشات تروّج لكل شيء تقريبًا، فإن المشكلة لا تكمن دائمًا في المعلومة نفسها؛ بل في ما لا يُذاع. عندما يُستبعد الكلام من التداول العام ليس لأنه خاطئ فحسب، بل لأنه غير مريح، يظهر “ستار” يلمع بقدر ما يخفي. وبالتالي لا تُصنَع الرواية من الحقيقة وحدها، بل تُصنَع أيضاً من غياب الحقائق. ومن هنا قاعدة نفسية بسيطة وعظيمة: لا يستطيع أحد أن يجعلك تشعر بالنقص دون إذن منك. لذا، حتى وإن حاصرت الدول القوية الإعلام شعوبها، يبقى لكل فرد خيارٌ: إما أن يمنح الإذن أو يرفضه.

قد يبدو هذا كله مرهقًا، فمواجهة التأثير العالمي ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. حين نُصرّ على الوضوح، نُضعف وظيفة الدعاية، ونُبقي الحقيقة في موضع الاختبار لا في موضع التلقين. وعندما ندافع عن حق السؤال، نمنح المجتمعات فرصة التعلم من نفسها بدلاً من أن تُقاد باسمها.

لا يُطلب من القارئ أن يكره أحدًا، بل أن يستيقظ وعيه. لا يُراد أن يصبح القارئ أداة في لعبة “القادة” الذين يشرحون العالم ثم يفرضون الصمت. بل يُراد الحفاظ على الإنسانية عندما تُستَخدم الإنسانية لتبرير السيطرة. فالسلاسل قد تُصاغ بلغة جميلة وخطة تقنية، لكنها في النهاية تقيد الرؤية وتُقَلِّص الحرية. اسأل دائمًا: من يحدد الخطر؟ ومن يكتب الحقيقة؟ ومن يضع قواعد النجاة؟ إذا لم تمنح الإذن، فلن تُصنع السلاسل من تلقاء نفسها؛ سيُضطر الظلام إلى الاعتراف بأنه بلا شرعية، ولا مستقبل إلا إذا وجد عيونًا لا تغفل عن الأسد داخل العين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى