الحرب تربك الملاحة في الإمارات والطرق تتحول إلى متاهة
تتسبب تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة في اضطرابات واسعة بأنظمة تحديد المواقع العالمي في دولة الإمارات، حيث بدأ سكان في ملاحظة خلل غير مألوف في تطبيقات الملاحة على هواتفهم، إذ تظهر مواقعهم في البحر أو في مدن بعيدة مئات الكيلومترات عن أماكنهم الحقيقية.
وأورد تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية أن سكان الإمارات بدأوا يواجهون مشاكل متكررة في استخدام أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، حيث أصبحت التطبيقات الشهيرة مثل خرائط جوجل تقترح مسارات خاطئة أو تُظهر مواقع المستخدمين في أماكن غير صحيحة.
ويشير خبراء إلى أن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة هو استخدام تقنيات الحرب الإلكترونية في المنطقة، خاصة عمليات التشويش والتزييف التي تهدف إلى تعطيل الأنظمة التي تعتمد عليها الطائرات المسيّرة والصواريخ في تحديد أهدافها.
وتعد أنظمة تحديد المواقع العالمي إحدى الركائز الأساسية للحياة اليومية في المدن الحديثة، إذ تعتمد عليها تطبيقات الملاحة والهواتف الذكية وخدمات التوصيل والنقل وحتى بعض الأنظمة الحيوية في البنية التحتية.
لكن الحرب الأخيرة في الخليج أدخلت هذه التكنولوجيا في قلب المواجهة العسكرية، بعدما أصبحت إشارات الملاحة هدفاً مباشراً للإجراءات الدفاعية المستخدمة ضد الهجمات الجوية.
وتقول هند وهي مقيمة فرنسية في دبي إن المشكلة ظهرت أثناء استخدامها تطبيق الملاحة أثناء القيادة. وتضيف أن التطبيق بدأ يقترح طرقاً غير منطقية قادتها بعيداً عن وجهتها، ما اضطرها في النهاية إلى ترك الهاتف والاعتماد على اللوحات الإرشادية لمعرفة الطريق.
وتوضح أن الرحلة التي كانت سهلة في السابق تحولت إلى تجربة مربكة، خاصة في المناطق المزدحمة حيث يصبح الاعتماد على تطبيقات الملاحة أمراً أساسياً لمعرفة الطرق.
ولا يقتصر تأثير هذه الأعطال على السائقين العاديين، بل امتد أيضاً إلى العاملين في خدمات التوصيل الذين يعتمدون بشكل كامل على أنظمة الملاحة لتحديد مواقع العملاء.
ويقول أندرو وهو سائق توصيل في دبي من أصول أوغندية إن المشكلة أصبحت جزءاً من يومه العملي. ويوضح أن عملية التوصيل التي كانت تستغرق في العادة ما بين عشر وخمس عشرة دقيقة أصبحت تحتاج إلى نصف ساعة أحياناً بسبب أخطاء النظام.
ويضيف أن جهاز الملاحة يحدد الاتجاه ثم يتوقف فجأة أو يعيد توجيه المسار عدة مرات قبل أن يستقر على الطريق الصحيح، ما يسبب تأخيرات متكررة في العمل.
ورغم الإزعاج الذي يسببه هذا الخلل، تحولت بعض الظواهر الناتجة عنه إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمون صوراً تظهر مواقعهم في وسط البحر أو في دول أخرى رغم وجودهم داخل الإمارات.
ويأتي هذا الاضطراب في وقت تشهد فيه منطقة الخليج تصعيداً عسكرياً كبيراً منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تعرضت دول المنطقة لمئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتقول الإمارات إنها تعرضت منذ بداية الحرب لمئات المقذوفات، بينها صواريخ باليستية وآلاف الطائرات المسيّرة، وهو ما دفع السلطات إلى تعزيز إجراءات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
ويؤكد خبراء الأمن الفضائي أن التشويش على إشارات الملاحة قد يكون إجراء دفاعياً يهدف إلى تعطيل أنظمة التوجيه التي تعتمد عليها الطائرات المسيّرة والصواريخ للوصول إلى أهدافها.
ويقول كلايتون سويب الخبير في الأمن الفضائي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن هناك تقنيتين رئيسيتين تستخدمان في هذا المجال.
الأولى هي التشويش الذي يعمل على حجب إشارات الملاحة بحيث يصبح من الصعب على الأجهزة استقبالها بشكل صحيح.
أما التقنية الثانية فهي التزييف حيث يتم بث إشارات مزيفة تجعل الأجهزة تعتقد أنها في موقع مختلف عن موقعها الحقيقي.
وتعمل أنظمة تحديد المواقع عبر استقبال إشارات زمنية دقيقة من مجموعة أقمار صناعية تدور حول الأرض، ومن خلال مقارنة هذه الإشارات يتم تحديد موقع الجهاز بدقة.
لكن هذه الإشارات ضعيفة نسبياً ويمكن تعطيلها بسهولة عبر إرسال إشارات أقوى من مصادر محلية، وهو ما يجعلها عرضة للتأثر بالحرب الإلكترونية.
وتحذر ليزا داير مديرة تحالف ابتكار نظام تحديد المواقع العالمي من أن استخدام هذه التقنيات قد يحمل مخاطر تتجاوز إرباك تطبيقات الملاحة.
وتوضح أن تعطيل إشارات الملاحة قد يؤثر أيضاً في الطيران والشحن البحري وبعض الأنظمة الحيوية التي تعتمد على تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية.
وتشير بيانات شركات مراقبة الملاحة البحرية إلى أن التأثير لم يقتصر على البر فقط، إذ تعرضت مئات السفن في بحر عمان أيضاً لمشاكل في أنظمة الملاحة نتيجة التشويش.
ويقول محللون إن ما يصل إلى ألف سفينة في المنطقة واجهت صعوبات في تحديد مواقعها بدقة منذ بداية الحرب، وهو ما يمثل نحو نصف السفن الموجودة في تلك المياه.
ورغم هذه الاضطرابات يؤكد خبراء أن معظم الأعطال تبقى مؤقتة وأن الأنظمة تعود للعمل بشكل طبيعي بمجرد استقرار الإشارات.
لكن استمرار التوتر العسكري في الخليج يعني أن الحرب الإلكترونية قد تبقى جزءاً من الواقع اليومي في المنطقة، وهو ما قد يجعل سكان الإمارات يعتادون لفترة على ظاهرة غريبة تتمثل في أن هواتفهم تخبرهم بأنهم في مكان آخر تماماً.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74341



