الخليج 24

حرب إيران تستنزف واشنطن وتثير شكوك الحلفاء من شرق آسيا إلى الخليج وأوروبا

تكشف تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن ضغوط متزايدة على منظومة الأمن التي بنتها الولايات المتحدة حول العالم، حيث بدأت آثار الصراع تتردد في شرق آسيا والخليج وأوروبا معاً.

وتشير تقارير وتحليلات إلى أن واشنطن أعادت نشر قوات وأنظمة دفاعية من مناطق مختلفة حول العالم لدعم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، وهو ما أثار تساؤلات بين حلفائها حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة هذا الصراع دون إضعاف التزاماتها الأمنية في مناطق أخرى.

وسحبت الولايات المتحدة أنظمة دفاع جوي وقوات عسكرية من شرق آسيا، بينما رفضت في الوقت نفسه طلبات خليجية عاجلة للحصول على صواريخ اعتراضية إضافية لحماية البنية التحتية للطاقة في المنطقة.

كما زُجّ بقاعدة جوية في رومانيا ضمن العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب، في مؤشر على اتساع نطاق الدعم اللوجستي والعسكري الذي يعتمد عليه التحالف الأمريكي.

ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب بأنها “رحلة قصيرة”، إلا أن تطورات الميدان تشير إلى أنها تتحول سريعاً إلى أحد أكبر استنزافات للبنية الأمنية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.

وتعتمد واشنطن بشكل متزايد على موارد حلفائها في أوروبا والخليج وآسيا لدعم عملياتها العسكرية ضد إيران، في وقت يتساءل فيه مشرعون وقادة دوليون عن الهدف النهائي لهذه الحرب.

ويزيد الغموض الاستراتيجي من حدة الانتقادات، إذ لم تقدم إدارة ترامب حتى الآن إجابات واضحة حول كيفية كسر إغلاق إيران لمضيق هرمز أو كيفية احتواء ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب.

ويرى خبراء أن هذه الضبابية تضعف مصداقية الولايات المتحدة في أعين حلفائها وشركائها.

وقال المؤرخ البريطاني بيتر فرانكوبان إن المشكلة التي ستواجهها واشنطن لاحقاً تتمثل في فقدان المصداقية بعد اتخاذ قرار الحرب دون حساب كامل للعواقب.

وأضاف أن إظهار عدم الكفاءة على هذا المستوى يمثل مشكلة خطيرة لأي قوة عظمى.

ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تؤكد الولايات المتحدة أنها نفذت آلاف الضربات الجوية داخل إيران واستهدفت آلاف المواقع العسكرية.

وقد قُتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الضربة الأولى للحرب، وفق ما أعلنته واشنطن، إلا أن هذا التطور لم يؤد إلى انهيار النظام السياسي في طهران كما توقع بعض صناع القرار الأمريكيين.

بل جرى اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً للبلاد، فيما فشلت محاولات واشنطن في إثارة انتفاضة داخلية أو دفع حلفاء إقليميين إلى مواجهة مفتوحة مع النظام الإيراني.

وفي الوقت نفسه ظهر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ومسؤولون كبار في طهران علناً في العاصمة الإيرانية، في إشارة إلى استمرار عمل مؤسسات الدولة رغم الضربات الجوية.

كما واصلت إيران تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ ضد أهداف في الخليج وإسرائيل، ما يعكس قدرتها على مواصلة القتال رغم الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية.

وقد استهدفت الطائرات المسيرة الإيرانية مدناً خليجية مثل الدوحة والمنامة ودبي، كما تعرضت تل أبيب لهجمات صاروخية خلال الأيام الماضية.

وفي موازاة ذلك شهد مضيق هرمز تصعيداً خطيراً بعد استهداف ست سفن تجارية على الأقل في الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة الطاقة العالمية.

ويرى خبراء أن هذه التطورات تعكس قدرة إيران على إرباك خصومها حتى في ظل تعرضها لضربات عسكرية متواصلة.

وقال فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، إن ما يحدث قد يمثل لحظة تاريخية تشبه أزمة السويس بالنسبة للولايات المتحدة.

وأشار إلى أن أزمة السويس عام 1956 أصبحت مثالاً كلاسيكياً على تجاوزات القوى الإمبريالية عندما تحالفت بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل لمهاجمة مصر.

ومع ذلك يرى محللون أن المقارنة ليست كاملة، إذ لا يتوقع كثيرون أن تتمكن إيران من تقديم نظام أمني بديل للولايات المتحدة في المنطقة.

وتشير تقارير إلى أن روسيا تدعم الهجمات الإيرانية سياسياً، بينما أرسلت الصين أنظمة دفاع جوي وأسلحة إلى طهران.

لكن الخبراء يرون أن موسكو وبكين تسعيان أساساً إلى إرباك الولايات المتحدة واستنزافها في الشرق الأوسط بدلاً من استبدالها كقوة مهيمنة.

وفي الخليج بدأت بعض الدول بالفعل إعادة التفكير في اعتمادها الأمني على واشنطن.

وقد ظهرت هذه المخاوف بعد عجز الولايات المتحدة عن منع إغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى عدم ردها الحاسم على الهجمات السابقة التي استهدفت منشآت الطاقة في المنطقة.

وفي ظل هذه المخاوف بدأت دول خليجية تنويع شراكاتها الدفاعية، حيث وقعت السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، كما ناقشت مشاريع تصنيع عسكري مشترك مع تركيا.

وفي الوقت نفسه سمحت الإمارات بوجود عسكري صيني محدود على أراضيها.

ويرى خبراء أن هذا التنويع قد يتسارع بعد انتهاء الحرب الحالية في وقت لا تقتصر تداعيات الحرب على الشرق الأوسط، بل تمتد أيضاً إلى شرق آسيا.

فقد نقلت الولايات المتحدة منظومات دفاع صاروخي من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، كما تدرس إعادة نشر بطاريات صواريخ باتريوت إضافية من المنطقة.

وقد أثار هذا التحرك قلقاً في سيول التي تعتمد على الوجود العسكري الأمريكي لردع كوريا الشمالية.

كما نقلت واشنطن قوات من مشاة البحرية الأمريكية من اليابان إلى الشرق الأوسط ضمن تعزيزات عسكرية إضافية.

ويرى بعض المحللين أن أي تقليص للوجود العسكري الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ قد يمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها.

وفي أوروبا أيضاً بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح. فقد نقل نظام دفاع جوي من ألمانيا لحماية قاعدة رادار تابعة لحلف الناتو في تركيا، كما استضافت رومانيا طائرات أمريكية للتزود بالوقود ومعدات مراقبة عسكرية.

ونشرت اليونان منظومات صواريخ باتريوت في بحر إيجه لتعزيز دفاعاتها.

ويأتي هذا التحرك العسكري في وقت تواجه فيه أوروبا بالفعل تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا.

كما تعتمد الدول الأوروبية بشكل متزايد على واردات الطاقة من الخليج بعد فرض العقوبات على روسيا. وقد جعل إغلاق مضيق هرمز هذه الدول أكثر عرضة لأزمة طاقة جديدة.

وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة تفاخر ترامب بأن الولايات المتحدة تستفيد اقتصادياً من كونها مصدراً صافياً للطاقة.

لكن هذا الموقف أثار قلقاً بين حلفاء واشنطن الأوروبيين الذين يواجهون ضغوطاً اقتصادية كبيرة نتيجة الحرب.

ويرى خبراء أن النقاش الدائر حالياً بين الحلفاء حول جدوى العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة يعكس أزمة ثقة غير مسبوقة.

وقد أصبح مضيق هرمز رمزاً لهذه الأزمة، إذ تعد القدرة على حماية طرق التجارة العالمية أحد أهم معايير قوة الدول العظمى.

لكن مع استمرار إغلاق المضيق بدأت دول مثل فرنسا وإيطاليا والهند التواصل مباشرة مع إيران لضمان مرور ناقلات الطاقة.

وتشير هذه التحركات إلى أن الحرب على إيران تحولت إلى اختبار عالمي لمكانة الولايات المتحدة وقدرتها على قيادة النظام الدولي.

الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74368

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى