الناتو يواجه أزمة غير مسبوقة بسبب حرب إيران وتهديدات ترامب للحلف
تتجه أنظار دول حلف شمال الأطلسي إلى الاجتماع المرتقب لوزراء خارجية الدول الأعضاء في السويد وسط تصاعد الخلافات داخل الحلف بشأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتزايد التوتر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يواصل مهاجمة الحلفاء الأوروبيين واتهامهم بالتخلي عن واشنطن في المواجهة مع طهران.
ويعقد وزراء خارجية الدول الـ32 الأعضاء في الناتو اجتماعاً في مدينة هيلسينغبورغ على مدار يومين، في وقت يواجه فيه الحلف واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ تأسيسه، مع تصاعد الانقسامات حول ملفات الأمن الأوروبي والحرب في الشرق الأوسط والإنفاق الدفاعي والعلاقات مع روسيا.
وبينما كان من المفترض أن يركز الاجتماع على دعم أوكرانيا وزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، فرضت الحرب مع إيران نفسها كملف طاغٍ على جدول أعمال القمة، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتوسع التداعيات الاقتصادية والعسكرية للصراع.
ويشعر ترامب بغضب متزايد تجاه حلفائه الأوروبيين بعد رفض عدد من دول الناتو السماح باستخدام قواعدها الجوية في الهجمات الأمريكية على إيران، ما تسبب في تفاقم الأزمة السياسية بين واشنطن والعواصم الأوروبية.
وكان ترامب قد هاجم دول الحلف علناً، متهماً إياها بعدم تقديم أي مساهمة حقيقية في الحرب، وقال عبر منصته “تروث سوشيال” إن الولايات المتحدة لا تحتاج من الناتو سوى “ألا ينسى هذه النقطة المهمة في الوقت المناسب”.
وتسببت تصريحات ترامب السابقة بشأن رغبته في الاستيلاء على غرينلاند، إلى جانب خططه لتقليص القوات الأمريكية في أوروبا، في زيادة القلق داخل الحلف بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي تجاه الأمن الأوروبي.
وأكدت مصادر دبلوماسية أوروبية أن دول الحلف لم تُشرك في التخطيط للحرب ضد إيران، ولذلك رفضت الاستجابة السريعة للطلبات الأمريكية المتعلقة باستخدام القواعد العسكرية الأوروبية.
وفي قلب الأزمة الحالية يبرز مضيق هرمز، الذي ظل مغلقاً فعلياً منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، رغم بدء سريان وقف إطلاق النار الهش في السابع من أبريل/نيسان.
وأدى إغلاق المضيق إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية وإعادة رسم خريطة التجارة والطاقة في الشرق الأوسط، فيما تحاول واشنطن حالياً بناء تحالف دولي جديد تحت عنوان “بناء الحرية البحرية” للتعامل مع الأزمة.
ويقود وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جهوداً دبلوماسية داخل الناتو لحشد الدعم الأوروبي للمبادرة الأمريكية، التي تركز على تبادل المعلومات الاستخباراتية والضغط السياسي والاقتصادي على إيران.
لكن دولاً أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا أبدت استعداداً للمساعدة في حماية الملاحة وإعادة فتح المضيق، مع رفضها الانخراط في أي عمليات هجومية مباشرة ضد إيران.
ويرى خبراء أن أوروبا تحاول تجنب التورط الكامل في حرب تعتبرها واشنطن مسؤولية أمريكية بالدرجة الأولى، وسط مخاوف من أن تتحمل العواصم الأوروبية تبعات صراع طويل ومكلف.
وقال دانيال كوتشيس، الباحث في معهد هدسون، إن الأوروبيين يتعاملون مع الحرب بمنطق “أنت من يكسر الشيء وعليك أن تدفع ثمنه”، في إشارة إلى اعتقاد واسع بأن الولايات المتحدة دفعت المنطقة نحو مواجهة مفتوحة مع إيران.
وفي موازاة ذلك، يسعى قادة الناتو لإظهار التزامهم بزيادة الإنفاق الدفاعي لإرضاء ترامب، الذي لطالما اتهم الأوروبيين بالاعتماد المفرط على المظلة العسكرية الأمريكية.
وكان الحلف قد أقر العام الماضي أهدافاً جديدة للإنفاق الدفاعي تشمل تخصيص 3.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع المباشر، إضافة إلى 1.5 بالمئة للبنية التحتية والأمن السيبراني والخدمات اللوجستية.
كما يناقش الاجتماع مستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا، خاصة بعد النجاحات الأخيرة التي حققتها القوات الأوكرانية باستخدام تقنيات الطائرات المسيّرة، وهو ما دفع واشنطن للإشادة بالتطور العسكري الأوكراني.
وقال روبيو إن الحرب دفعت الأوكرانيين إلى تطوير “حرب هجينة غير متكافئة” تعتمد على التكنولوجيا والطائرات المسيّرة، معتبراً أن الجيش الأوكراني بات حالياً “الأقوى والأكثر نفوذاً في أوروبا”.
وفي خطوة أثارت قلقاً إضافياً داخل الحلف، أعلن البنتاغون سحب خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، وسط تقارير عن خطط لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في بولندا أيضاً.
ورغم هذه التوترات، يرى بعض المحللين أن الناتو لا يزال قادراً على الصمود، حتى في ظل الضغوط التي يفرضها ترامب على الحلفاء الأوروبيين.
وقال الباحث الأمريكي تشارلز كوبشان إن الحلف يمر بأزمة حقيقية لكنه “لا يزال يعمل بطريقة أو بأخرى”، مشيراً إلى أن الضغوط الأمريكية قد تدفع أوروبا في النهاية إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية.
وأضاف أن على الأوروبيين الاستعداد لاحتمال تراجع الدور الأمريكي مستقبلاً، خاصة مع تصاعد الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75148



