الخليج 24

غضب شعبي تجاه الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف اقتصادية واستثمارية

بدأت موجة متصاعدة من الغضب الشعبي والقلق المجتمعي تجاه الذكاء الاصطناعي تثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، وسط تحذيرات من أن ردود الفعل السلبية ضد هذه التكنولوجيا قد تتحول إلى خطر حقيقي يهدد الشركات والمستثمرين الذين يضخون مليارات الدولارات في القطاع.

وبحسب تقارير اقتصادية أمريكية، تتوسع حالة الرفض تجاه الذكاء الاصطناعي في عدة دول، مع تزايد الاحتجاجات ضد مراكز البيانات العملاقة، وتصاعد المخاوف من فقدان الوظائف وارتفاع تكاليف الكهرباء وانتشار المعلومات المضللة وانتهاكات الخصوصية.

ويرى محللون أن المستثمرين ما زالوا يندفعون بقوة نحو شركات الذكاء الاصطناعي رغم المؤشرات المتزايدة على وجود “رد فعل اجتماعي عكسي” قد يبطئ انتشار التقنية أو يدفع الحكومات إلى فرض قيود تنظيمية صارمة مستقبلاً.

وأصبحت هذه المخاوف واضحة حتى داخل الوثائق الرسمية للشركات الكبرى. فقد حذرت نشرة اكتتاب شركة “سبيس إكس” من أن النظر إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها تهديداً للمجتمع قد يؤدي إلى قيود أو حظر حكومي أو اضطرابات اجتماعية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الشركات على تطوير هذه التقنيات وتسويقها.

كما أشار محللو “مورغان ستانلي” إلى أن فقدان الوظائف وارتفاع فواتير الكهرباء بسبب التوسع في مراكز البيانات أصبحا من أبرز مصادر القلق لدى المستثمرين الأمريكيين خلال الاجتماعات الأخيرة مع المؤسسات المالية.

وأكدت تقارير أخرى أن المعارضة الشعبية المتزايدة لمراكز البيانات بدأت تؤثر فعلياً على ثقة المستثمرين، خاصة مع تزايد إلغاء بعض المشاريع الضخمة نتيجة احتجاجات المجتمعات المحلية الرافضة للتوسع العمراني الهائل المرتبط بصناعة الذكاء الاصطناعي.

ويتمثل جوهر الأزمة، وفق مراقبين، في أن الأرباح الضخمة الناتجة عن طفرة الذكاء الاصطناعي تذهب حالياً إلى شريحة ضيقة جداً من كبار التنفيذيين والمستثمرين والموظفين داخل الشركات العملاقة، بينما يتحمل ملايين العمال مخاطر فقدان وظائفهم أو تراجع دخولهم.

فقد كشفت تقارير أن شركة “ميتا” عرضت حزم رواتب بمئات الملايين من الدولارات على عدد محدود من كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي، بينما باع مئات الموظفين في شركة “أوبن إيه آي” أسهماً بمليارات الدولارات خلال الفترة الأخيرة.

وفي المقابل، تتزايد المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى استبدال أعداد هائلة من الموظفين في قطاعات متعددة، وهو ما بدأ يثير توتراً واضحاً داخل الشركات الكبرى.

وفي واحدة من أبرز الأمثلة، اضطر الرئيس التنفيذي الأمريكي لبنك “ستاندرد تشارترد” إلى الاعتذار بعد تصريح تحدث فيه عن استبدال “رأس المال البشري منخفض القيمة” بالذكاء الاصطناعي، وهو التصريح الذي أثار موجة غضب وانتقادات واسعة.

كما تواجه مراكز البيانات، التي تعد العمود الفقري لصناعة الذكاء الاصطناعي، احتجاجات متزايدة بسبب استهلاكها الهائل للطاقة والمياه واتهامها بالمساهمة في رفع تكاليف الكهرباء على السكان دون توفير فوائد اقتصادية كبيرة للمجتمعات المحلية.

ويضاف إلى ذلك القلق المتصاعد من استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل الإعلامي، وإنتاج المحتوى المزيف، وانتهاك الخصوصية، وزيادة قدرات المراقبة الرقمية، وهي قضايا بدأت تتحول تدريجياً إلى ملفات سياسية وتنظيمية حساسة في عدة دول.

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن ما يجري في كوريا الجنوبية يقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تحول طفرة الذكاء الاصطناعي إلى صراع اجتماعي واقتصادي.

فقد شهدت شركة “سامسونغ” خلافاً حاداً مع العمال بسبب مطالبهم بالحصول على حصة أكبر من الأرباح الضخمة الناتجة عن ازدهار صناعة الرقائق الإلكترونية.

ووصلت الأزمة إلى حد تهديد العمال بالإضراب، قبل التوصل إلى اتفاق ساهم في تهدئة الأسواق ورفع أسهم الشركة والسوق الكورية الجنوبية بأكملها.

ويعكس هذا المثال حجم التوتر المحتمل بين الشركات المستفيدة من طفرة التكنولوجيا والعمال الذين يشعرون بأنهم لا يحصلون على نصيب عادل من الأرباح.

ويرى مراقبون أن التاريخ مليء بأمثلة على مقاومة المجتمعات للتغيرات التكنولوجية الكبرى، لكن بعض هذه الاحتجاجات نجح فعلاً في إبطاء تبني تقنيات معينة، كما حدث مع الطاقة النووية التي تعرضت لعقود من المعارضة الشعبية بسبب المخاوف الأمنية والبيئية.

والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي نفسه أعاد اليوم إحياء الاهتمام بالطاقة النووية، بسبب احتياجاته الضخمة للكهرباء والطاقة، ما يدفع الحكومات والشركات للبحث عن مصادر طاقة قادرة على تشغيل مراكز البيانات العملاقة.

ويحذر خبراء من أن تجاهل الغضب الشعبي تجاه الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى أخطاء استثمارية كبيرة، خاصة إذا بدأت الحكومات بفرض قيود تنظيمية أو ضرائب إضافية أو قيود بيئية على القطاع تحت ضغط المجتمعات والعمال.

ورغم هذه المخاطر، ما تزال شركات الذكاء الاصطناعي تجذب استثمارات هائلة، وسط قناعة لدى كثير من المستثمرين بأن الأرباح المستقبلية ما تزال أكبر من أي مخاوف حالية.

لكن محللين يؤكدون أن استمرار “حمى الذكاء الاصطناعي” دون معالجة المخاوف الاجتماعية قد يحول التقنية من فرصة اقتصادية ضخمة إلى مصدر توتر اقتصادي وسياسي عالمي واسع.

الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75169

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى