منوعات

الوجوم.. حين يتحدث الوجه قبل اللسان

تتمكن اللغة العربية من التقاط أدق التغيرات التي تطرأ على الإنسان، فتمنح كل حالة لفظة خاصة بها، ليتحول التنقل بين المشاعر إلى تنقل بين كلمات مختلفة، لكل منها حدودها ومعناها الخاص. ومن هذه الألفاظ كلمة “الوجوم”، التي تصف هيئة تعلو الوجه عندما تتوقف حركته المعتادة، ويستقر عليها أثر ما يجري في النفس.

الوجوم في اللغة: سكون مع تغير الهيئة

الوجوم في أصل الكلمة مشتق من الجذر (وَجَمَ)، ويعني السكون مع تغير المظهر وانطفاء البشاشة، والعجز عن الكلام بسبب شدة الخوف أو الحزن أو الغضب. وقيل في هذا الصدد: “الأحزان الصغيرة ثرثارة، أما عظيمها فأبكم”، ولذا فإن الوجوم يمثل، في أحد أشكاله، حالة من “الحزن الأبكم” الذي يسلبه الصوت ويدخل صاحبه في شرود ذهني عميق.

يُقال: وجم الرجل إذا سكت وانقبض، وظهر ذلك على وجهه، فهو واجم. والوجوم هيئة تُقرأ قبل أن تُشرح، إذ يسبق الوجه اللسان في التعبير عما يختلج في الداخل. ولهذا ارتبط اللفظ بالوجه ارتباطًا وثيقًا، حتى صار الوجوم علامة صامتة تكشف عما يدور في النفس دون حاجة إلى كلام.

الوجوه في القرآن الكريم

ويأخذنا القرآن الكريم إلى عالم الوجوه؛ فهي أول ما تظهر عليه آثار النفس، ومن ذلك قوله تعالى: “عَبَسَ وَتَوَلَّى” (عبس: 1)، و”وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ” (عبس: 38-39)، وقوله سبحانه: “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ” (القيامة:22-24)، و”وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ” (الغاشية:2)، و”وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ” (الغاشية:8). وجاء التعبير القرآني مصورًا لحركة الوجه وهيئته، لأن الوجه هو الموضع الذي تظهر عليه آثار النفس قبل أن تتشكل في العبارات.

ولم يرد لفظ الوجوم في القرآن الكريم، غير أن معناه حاضر في مجموعة الألفاظ التي تصف أحوال الوجوه؛ فالعبوس، والبسور، والإسفار، والنضرة، والخشوع والانكسار، والنعومة والسرور، كلها ألفاظ ترسم درجات متباينة من الانفعال الإنساني، لكل منها ملامحه الخاصة، ودلالته التي لا تؤديها كلمة أخرى.

الوجوم والحزن: بين الشعور والأثر

وفي الاستعمال العربي، يختلف الوجوم عن الحزن؛ فالحزن شعور يستقر في القلب، والوجوم أثر ذلك الشعور حين يبلغ الوجه. قال المعري:
وَكَمْ وَجَمَ الفَتَى مِنْ بَعْدِ ضَحِك … وَأُضْحِكَ بَعْدَ إِفْرَاطِ الوُجُومِ

وقد يجتمعان، وقد يفترقان؛ إذ قد يحزن المرء ولا يبدو عليه وجوم، وقد يوجم لأسباب تتجاوز الحزن؛ كالتفكير العميق، أو الدهشة، أو انتظار أمر عظيم، أو هيبة موقف.

الوجوه: صحيفة المشاعر الصامتة

ومن هنا، كانت العناية بالوجوه عناية بالإنسان نفسه، فالوجه صحيفة المشاعر، والوجوم أحد أسطرها، يعلن أن في الداخل حديثًا لم يكتمل، أو فكرة تجمع ملامحها، أو همًّا لم يجد بعد طريقه إلى الكلام.

ولعل في هذا اللفظ دعوة إلى أن نتأنى في قراءة الوجوه، وأن نمنح الواجم مساحة من التقدير قبل أن نطالبه بالتفسير؛ فثمة أحاديث لا يرويها اللسان، وتكفي الملامح شاهدة عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى