الخليج 24

 تحولات عالمية متسارعة: تراجع الثقة بواشنطن يدفع الحلفاء لإعادة التموضع

يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة مع تزايد توجه عدد من الدول، خاصة الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، نحو إعادة صياغة سياساتها الاستراتيجية بعيداً عن واشنطن، في ظل تصاعد التوترات السياسية وانتقادات متزايدة لنهج الرئيس دونالد ترامب.

وبحسب تحليل للكاتب فريد زكريا في مجلة فورين بوليسي، فإن هذه التحولات بدأت تتخذ طابعاً استراتيجياً طويل الأمد، مدفوعاً بتآكل الثقة في السياسات الأمريكية.

وفي مثال يعكس هذا التوجه، نقل زكريا عن رجل أعمال صيني في مدينة شنتشن قوله إن تهديدات ترامب تجاه حلفاء تقليديين، مثل حديثه عن غرينلاند، كانت أكثر تأثيراً في حسابات الدول من سياساته تجاه إيران، مشيراً إلى أن مثل هذه المواقف دفعت أوروبا إلى إعادة تقييم علاقتها بواشنطن.

وفي أوروبا، لم تعد التصريحات الحادة من البيت الأبيض تُعامل كحالات استثنائية، بل باتت تُنظر إليها كجزء من نهج سياسي مستمر.

وقد أشار مراقبون إلى أن تراكم هذه المواقف أدى إلى نقطة تحول في العلاقة عبر الأطلسي، حيث لم يعد القادة الأوروبيون مستعدين للتماهي مع السياسات الأمريكية كما في السابق.

وتجسد هذا التحول في خطوات عملية، أبرزها خطة الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراته الدفاعية تحت مسمى “الجاهزية 2030”، والتي تستهدف استثمار نحو 800 مليار يورو في القطاع الدفاعي، بهدف تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.

ويمتد هذا التوجه إلى مجالات اقتصادية ومالية، حيث تعمل أوروبا على تطوير بدائل لأنظمة الدفع العالمية التي تهيمن عليها الشركات الأمريكية، مثل Visa وMastercard، إضافة إلى البحث عن بدائل لأنظمة مالية وتقنية أخرى مثل SWIFT وPayPal.

كما اتخذت بعض الدول الأوروبية خطوات رمزية وعملية لتعزيز استقلالها المالي، من بينها نقل فرنسا جزءاً من احتياطياتها الذهبية من نيويورك إلى باريس، في حين ناقشت دول أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا إجراءات مماثلة.

ويشير التحليل إلى أن التغير الأبرز يتمثل في تحول مواقف اليمين الأوروبي، الذي كان تقليدياً أكثر قرباً من الولايات المتحدة. فقد بدأت شخصيات سياسية بارزة، مثل نايجل فاراج ومارين لوبان وجورجيا ميلوني، في إعادة النظر في علاقاتها مع واشنطن، وسط تراجع التأييد لسياسات ترامب حتى داخل التيارات الشعبوية.

ولا يقتصر هذا التحول على أوروبا، إذ بدأت كندا أيضاً في تقليل اعتمادها الاقتصادي على الولايات المتحدة، حيث أعلن رئيس الوزراء مارك كارني عن توقيع أكثر من 20 اتفاقية اقتصادية وأمنية، بما في ذلك مع الصين، بهدف تنويع الشراكات التجارية.

ورغم ذلك، لا تتجه الدول الغربية إلى الانحياز الكامل نحو الصين، إذ لا تزال هناك خلافات عميقة معها في ملفات متعددة، منها الحرب في أوكرانيا والسياسات التجارية والدعم الحكومي. إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تبني سياسات أكثر مرونة، تقوم على موازنة العلاقات بين القوى الكبرى بدلاً من الاعتماد على طرف واحد.

وفي آسيا، تبدو التداعيات أكثر حدة، حيث تواجه دول المنطقة أزمة طاقة حادة نتيجة تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما دفع حلفاء تقليديين لواشنطن مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى التفاوض مع دول مثل روسيا وإيران لتأمين احتياجاتها من الطاقة.

كما بدأت بعض هذه الدول في فتح قنوات تواصل مع بكين في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، في مؤشر على تحولات أوسع في التوازنات الإقليمية.

ويخلص التحليل إلى أن هذه التحولات قد تصبح ذاتية الدفع، مع إدراك الدول أن اعتمادها السابق على الولايات المتحدة جعلها عرضة للضغوط السياسية. ونتيجة لذلك، تسعى هذه الدول إلى بناء سياسات أكثر استقلالية، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بما بات يُنظر إليه على أنه شريك غير موثوق.

وفي ظل هذه المتغيرات، يواجه النظام الدولي مرحلة إعادة تشكيل، حيث تتراجع الهيمنة التقليدية لواشنطن، مقابل صعود نماذج متعددة للتحالفات والشراكات، ما قد يرسم ملامح نظام عالمي أكثر تعقيداً وتعددية في السنوات المقبلة.

الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74847

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى